العلامة الثقافية

رانت الحيرة على عقول أصحاب الأعمال ورواد التسويق في تأثير العلامة التجارية على أذهان الناس ودفعها لهم إلى الشراء والابتياع.  فمن ما لا إنكار فيه بأن لها أثرًا في أفكارهم لا يخفى، وحركة في سلوكهم بادية للمترصد لهم بمراصد المواقع والتطبيقات.

فترى متذوقَ القهوة يعمد إلى (ستاربكس) و (برنز) وإن تهافت الخلقُ إليهما واكتظّ المكانُ بهم، ومحبَّ الرياضة مغرمًا بما يصنعه (نايك) و (أديداس) من أحذية وأصناف من اللباس والأردية، مدفوعًا إلى تلبية حاجته وإن غلا ثمنها، والنهِمَ للأكل إذا ما نغزته معدتُه بالجوع فأوجعته طارت مخيلته إلى (البيك) و (ماكدونالدز)، وطفقت روائح المأكولات تنبعث إليه وتطوف في ذاكرته، فيسير إلى غايته، غير مبال بمشقة الطريق، وغير عابئٍ بالزمن الضائع، والمال المصروف!

أليس ذلك محيّرًا، وداعيًا إلى التأمل، أنْ تقصدَ القلوب والجوارح إلى أماكن دون غيرها؟!

وكذلك الأشخاص في عالم الأفكار، فيكون المرءُ قد شاهد محاضرة لعالم أو مؤثر في فن ما فأعجب به، فتراه يسمع له كلّ ما يلقي من دروس، وإذا زار مكتبة ولاح لناظريه كتابٌ لذلك الذي سمع له، ابتاع مصنفاتِه، وقد تتضمن الجيّد والرديء، ولكنه لا يعبأ بهذا، فهو متيقن من الرجل، منصاعٌ إليه في كل ما يقول، لا يسائله ولا يقعد له بكل صراط ينقب عن آرائه ويروزها بعين العقل والرويّة، فكل ما يقرأه لذلك مسلَّم به، وإن بدت هفوة في مقالاته عذَرَه، فالخطأ إلى جنب ما أصاب وأبدع مغفورٌ له ولا ضير فيه!

وذاك العالم ما لقي ذلك القبولَ في نفس المرء، ولم يتبوأ تلك المنزلة إلا لحاجة أُشبعت فيه، كأن يكون معتنقًا رأيًا في مسألة، قد حلّت في قلبه مكانًا لا تريمه، فتكون ديدنه في غدوه ورواحه، هي الحاكمة عليه وهو محكوم بها، فيصادف من يتحدث عنها ويحامي دونها، فينقاد له صاحبُنا، ويلقي إليه بزمامه ولا يبالي، كالأعمى الذي ينقاد للمُمسكِ به، فحيثما ذهب سار معه!

وكثيرًا ما تظهر العلامات الثقافية في الصراعات الطائفية، والحروب المذهبية، والمعارك الفكرية والأدبية، فتبرز أسماء وتلمع شخصيات تخوض معمعةَ الجدال، وتدلي بما لديها من بيان، من شتى الفرق والمذاهب والنحل المتناحرة فيما بينها، ومن فتش عنها في ذاكرته عرض له الكثيرُ منهم دون أن يتعنّى، وتلك الأعلام والأشخاص تصبح علاماتٍ ثقافية على حقب وعصور.

أضف تعليق

أنا أحمد عبدالله واعظ ..

قارئ مصاب بداء القراءة والتهام الكتب والانكباب على العلم، يخزن معرفته في عقله ولا يبثُّها، يعيش بين سطور الكتبَةِ ولا يُذيع منها إلا ما تنوء نفسه بحملها، وإني أمضىت سني عمري أدبج الرقاع وأحبّر على الورق، خاطرةً أو مقالةً أو مراجعةً أو يوميةً أو كناشةً فلا أُبرد منها إلا اليسير، وتلك مستنداتي وصحائفي إذا ألقيت إليها نظرك ألفيتها ملأى بالتلخيصات والمراجعات والأفكار والمدونات والفوائد، واريتُها عن القراء وأهل الطلب.

يتمنّع قلبي أن تحتلَّ تلك الكتابات مكانًا سنيًّا فيه فأطويها عن الأعين، وكان ذلك في بادي الأمر حقًّا، لكنه إلى حين، ولقد آليتني على مذهبٍ ارتأيته صوابًا، وهو أن الفكرة تقدح الفكرة، والخاطر يبعث الخاطر، وفي كتمانِ القلائد وإخفاءِ الرأي ومحاجزةِ الفكر جنوحٌ عن جادةِ ذوي العلم وركونٌ إلى دعةِ الحياة وخمولِ العيش وسعيٌ لكمالٍ هو سرابٌ يحسبُه الظمآن ماءًا.

ألا إن في القلم حياةً لي توازي الحياةَ نفسَها في معتركها، حيث مواطئ الأقدام وازدحام المطالب والتماس الحوائج، كيف لا وقد أقسم الله في كتابه العزيز بالقلم؟!

ولعلنا نعلم حركة الفكر في الذهن، إذ يغلب عليه الشتات والتبعثر ما دام قابعًا فيه لا يبرحه، وإن كان ناظمًا لها على سننٍ فذلك التدوين “والقلم أحد اللسانين”!

Let’s connect