هو رجل رحبُ الذراع، يجود على القليل، ولا يدخر الكثير، يهتزّ للندى، وتأخذُه الأريحيّةُ بالعطاء، إن ألمّت بامرئٍ سحابةُ ضيق، قشعها بكرمِه، وبدّدها بطبعه، فتتهلّل جوانحُه ابتهاجًا لما يبذل، ويسخو بأخلاقه كما يُطلِق يديه بماله.
ترادف عليه نبأٌ عسيرُ وهو مُقتِرٌ، فقد أعدمَه البذلُ، بلغتْه حاجةُ أسرةٍ فقيرة إلى المال الوفير والأُعطية الجمة، إذ إن أحد أبنائها رهينُ الفراش يتوجّع من أدواءٍ فتكت به، وجيوشُ المرض متربصةٌ حائمةٌ حوله، وهم يعانون قلة الزاد ويفتقرون إلى المعونة، وحاجاتُهم التي تُمسك أرماقَهم غيرَ مقضية، فيلقَون في ذلك العنَتَ الشديد والمشقّةَ البالغة، ويُضحِي التفكيرُ في الأمراض، والتأمل في المهلكات والحال كذلك ترفًا تلقاء ضرورات الحياة، كالأكل والشرب والهواء!
وحينما استطار الخبرُ إلى صاحبنا، استبدّ به الألم، واكفهرّ وجهُه وذبُل خدّاه، وأضناه الفكرُ في عيش أولئك، وأرهقه التعبُ من ضنك الناس ونصَبِهم، وما يقاسونه في سبيل اللقمة وسدّ الرمق عن الإزهاق، وكنوزُ الدنيا ملأى، وخزائنُها في أرضها متواريةٌ عن الأعينِ الراجية، ونفائسُها في أرجائها القصوى والدانية، ولكنها خبيئةٌ في أيدي الأشِحّاء، الممسكين عن كلِّ خير، ومضنونةٌ بها على أهلِها المعوزين، فأخرج من محفظته نقودًا من الورق، هي آخر ما بحوزته، فأقبل ملتفتًا إلى أمه، فمدّ إليها يده بما جادت به نفسه، ورضي عنه ضميره، وهو يعي في قرارة وجدانه بأن الإنسان راحل عما قريب، وعن أهله والناس مفارقٌ لا محالة، فلم لا ينفق وما هو بخالدٍ في الحياة الدنيا، وما ادّخِر له في الآجل خير وأبقى، ولسان حاله:
ألا كلُّ شيءٍ ما خلا الله باطلُ وكلُّ نعيمٍ لا محالةَ زائلُ
أضف تعليق