(بانت سعاد في إلمامات شتى)

من ما لا يسع محبَّ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ جهلُه، بردة كعب بن زهير التي مدحه فيها، وأعتق رقبته بها بعد أن أُهدرت، فتهلل وجهه الكريم بشرًا بأبي هو وأمي، وهي قصيدة نالها العلماء شرحًا وتبيانًا، وقد نيفت شروحها على السبعين أو يزيد، وهذا الكتاب الذي لا تعدو صفحاته على 130، شمل حديثًا وافيًا عن الشاعر وقصة إسلامه وإلقائه القصيدة على مرأى ومسمع من سيد البشر وصحابته الكرام.

وقد أورد المؤلف ثلاثةَ فصول عن الاستشهاد: اللغوي والنحوي والبلاغي، وكعب من مخضرمي الشعراء، فلم تخلُ بردتُه من أبيات يُستدل بها على مسائل اللغة والبيان العربي، بل إن ابن منظور وحده ـ كما يذكر المؤلف ـ استشهد بأبياتها في ستين موضعًا من اللسان!

وليس أدلُّ على فحولة قصيدة وشاعر من الشعراء من المعارضات الشعرية، فالمعارض غرضُه أن يبزّ قائله الأول، ويُخملَ ذكرَ قالَته التي سارت بها الركبان، وطبقت في الآفاق.

وأول من عارض (بانت سعاد لكعب) الشماخ بن ضرار الذبياني، في ثلاثين بيتًا، وهو من فحول الطبقة الثالثة من شعراء الجاهلية كما عدّه ابن سلام، وفي ذلك البرهان على عظمة البردة ومنشئها، ومكانتها عند النقاد والشعراء الكبار!

وعلى البردة تخميسات وتشطيرات، والشعراء لم ينفكوا على مر العصور مذ قيلت عن تضمين أبيات منها في قصائدهم، وقد ترجمت البردةُ إلى لغات عديدة.

وثمة خبر غريب ساقه المؤلف في سند البردة (ص: 30)، يؤنس القلب ويشرح الصدر، وقد أسماه بـ (السند الرُؤْيَوِي)، وهو نبأ رواه المقري في نفح الطيب، حكاية عن أبي جعفر الإلبيري قال:

“وحدثني بعض شيوخنا بالإسكندرية بإسناده أن بعض العلماء كان لا يستفتح مجلسه إلا بقصيدة كعب، فقيل له في ذلك فقال: رأيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقلت: يا رسول الله: قصيدة كعب أنشدها بين يديك؟ فقال: نعم، وأنا أحبها، وأحبّ من يحبها، قال: فعاهدت الله أني لا أخلو من قراءتها كل يوم”.

أضف تعليق

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑