هل يفسُد الحبُّ إذا نُكِح؟

سألتني، هدانا الله وإياك إلى الرشادِ وعصمنا من الزللِ في القول والفعل وباعد بيننا وبين الهوى في السر والعلن، عن مقالةٍ ظاهرها التهكمُ وباطنُها الخطل يتبعهما الفسادُ في الطريقة: (إذا نُكحَ الحبُّ فسد).

ولا بدّ قبل الخوض في غمارِ هذا البحر المتلاطم أن نردّ الأعجازَ إلى الصدور، ونلحقَ الفروعَ بالأصول حتى تستقيمَ قناةُ الحديث ويسلسَ القولُ على منهاجٍ لاحب، فلا ينبو موضعٌ ولا تعترضه آفات، فإن كان الإيجازُ مغنيًا عن الإطناب فذلكم البلاغة، فقرّب منك برادَ الشاي واحتسِ معه هذه السطور في رفقٍ وتُؤَدة، علّك تصيبُ قصدَك وتصادفُ الترياقَ لسقمك.

طبيعة الحب

اعلم رحمك الله أن الحبّ انجذابٌ يعقبه ارتياحٌ ونشوة، وهذا الانجذاب اتفاقٌ في الخصالِ وتوافقٌ في الأمزجةِ والطِّباع، وإن هذا الاتفاقَ والتوافقَ مفضيان إلى تعلّقٍ وولع، واستمساكٍ بعروةٍ تسقي الروحَ من عطشٍ وتغسلَ الجوارحَ من الأدران، وقد خلق الله سبحانه آدم وحواء من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجَها ليسكنَ إليها وجعل بينهما مودةً ورحمة.

صور الحب

والحبّ أيها الكريمُ النبيلُ يتصورُ على هيئاتٍ متباينة ويتشكلُ في صورٍ مختلفة، وإن لم يتعددْ في ذاتِه وأصلِه، فهو في ظرفِ المحبَّينِ الذين حيلَ بينهما وبين نفسيهما يتمثلُ على شكلٍ فيصدرُ منهما إزاء ذلك صنوفٌ من القولِ وأشتاتٌ من السلوكِ يناسبُ الزمان، وهو في حالِ الزوجين يجد مكانَه بين الوظائفِ المختلفةِ والواجباتِ المفروضة، وفي ثناياها كلمةٌ جميلة تزهر وتنمو في حنايا الأضلع، وبسمةٌ ترسمُ الأملَ على المحيا، وحضنٌ دافئ في زمهريرِ الحياة، ومستراحٌ من الهموم والمنغصات.

وإن الوهنَ قد تعلَّق بأذيالِ هاته المسألة من عوارضَ لو انكشفَ عنها الغطاءُ تلألأت أنوارُ المحبة ساطعةً على مرآةِ القلبِ فعمّ الوجدانَ وطغى على الجوارح، ومن تلك العوارضِ العواطفُ الجياشة والمشاعرُ الحارقة، فإذا هدأتْ أو خفتَ صوتُها ظنّ المحبُّ أنْ قد انطفأ أوارُ العشقِ وانقطعتْ أسبابُ الجمال!

العوارض والحب

وهبْ أن العوارضَ قد ولتّ مدبرةً فهل يُنذر بفناءِ المحبةِ وهي في حقيقتها قابعةٌ في الصدور؟ وكيف يعيش المرءُ في ثورةِ العاطفة وعاصفةِ الشعور في كلِّ حين؟

على أن الأمرَ ليس على هذا الوجه، أتراك تفقدُ محبّتكَ والديكَ وإخوتكَ في حين أن الذي يسودُ بينكم هو نوعٌ من الإحساسِ المطمْئِن والشعورِ الدفينِ الذين يدفئان الفؤادَ ويمسحان على الجراحِ ويزيدان على الأيامِ وئامًا وألفة؟ فقس على ذلك ما يلوحُ بين الزوجين من هدأة، والذي بينهما أقربُ إلى الحبِّ والصداقة، وكلاهما يتنازعُهما في حياتِهما ما عاشا حتى يقضي اللهُ في آجالهما.

نهر الحب

وما كان اللهُ ليقذف الحبَّ في القلوبِ ولا يُجري له نهرًا يتدفق خلاله، يبلُّ الصديان ويكنسُ الأوضار، وإنّ الزواجَ ذلك النهر، يهذّب الحبَّ من غوائلِ النفس وقبائحِ الأفعال وينفي عنه رذائلَ الشيطان ولا يفسدُه بل يعمّقه على تطاولِ الليالي والسنين. فكن على ذُكرٍ من هذا..

بطلان الوهم

أما وقد هدمنا السورَ المائلَ على جرفٍ هار، فقد آن الأوان على تبيانِ مسلكِ صاحبِه وقد شيّده على رأي واهٍ وطويةٍ فاسدة.

وما يرومه ربُّ هذا القول أن يلقيَ عن نفسِه مغباتِ العشقِ من وعدٍ والتزامٍ في حالي الحبِّ والزواجِ معًا بدعوى باطلةٍ  راقتْ هواه وتغلغلتْ في عقله، ففي الأول ينغمسُ في الغرامِ انغماسَ اللاهي العابث، ثم يهون عليه أن يتملصَ إذا جدّ الجدّ وحميَ الوطيس، ويلقي عن كاهله عبئًا ثقيلًا، ولكن بعد أن أجهزَ بصارمِه على فريستِه، وفي الثاني يجد في مقالتِه منفذًا للتخلصِ من أحمال الخلّة الجسيمة، وقد أشرنا إلى وهمِ العوارض التي تحجبُ الحقيقةَ عن الأبصارِ ولكنها تتكشفُ لذوي البصائرِ والنهى.. والسلام عليكم ..

أضف تعليق

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑