أحنُّ إليك حنينَ الوليد إلى أمّه، وأشتاقك شوقًا يكاد يطغى على جوانحي، وأجد مسًّا رقيقًا شفيفًا لهذا الحبّ الذي وقر لك في قلبي، فما من سانحةٍ من الزمان تمرُّ إلا وطيفُك يمرقُ في خيالي، كما الشهاب في بطن السماء، فيبعث ذلك الطيفُ في جنبيّ ألوانًا من الشجون، بعضها يجلب فرحًا طاغيًا، وبعضها يحرك سواكن الحزن في أعماقي، ولكن كلا الأمرين من الفرح والحزن لا يستحثان الكراهية إليك، فالبهجة تضربُ بحبالها في بحاري الغائرة فترسو سفينةُ الحب، والأسى يصرف بصري إلى السحاب راجيًا رحمةً من القدير.
لا الفرح يسلُّني من أطواري ويذهب بعقلي، ولا الحزن يجرُّني إلى سجن التطيُّر فيحبسني بين جدران التشاؤم ويفقدني رشدي، بل هو حزن نبيل، يسكن قلبَ محبٍّ شفَّه الوجد، وأضناه صبرُ أيوب، حزنٌ يولَد من رحم الغرام، فيشبُّ في الفؤاد حتى يكون منه بمنزلةِ الطبع والعادة!
خضتُ معاركَ جمة، نسيت فيها النوم، وغزا الإعياءُ أنحائي، وحاطني من كل جانب بؤسٌ، وجلَّل وجهي سحابةٌ من الإرهاق، ولكن قمرًا في كل آن كان يلوح لي، قمرٌ هو الأمل والحياة، فيشدُّ ناظري إليه، ويستنهض جوارحي لبلوغه، وأين قمر جامد في السماء من قمر في الأرض يعيش بيننا نابضًا قلبُه بالحب، ومتنفسًا هواءَ الحبيب!
فأراني أجهد في السير حتى أبلغه، تاركًا جراحات قلبي تنزف، وسهام روحي مغروسة تؤلم، على أني لم أنسَ عهدي الذي كتبته لك، ووعدي الذي أخبرتك به، صابرًا على بعدكِ، ومنتظرًا رسائلك التي كنتِ تؤنسينني بها، على ما تعاهدنا عليه حين المفارقة بأن يُطمئن أحدُنا الآخر.
وقد صدرتُ في كل جيئةٍ عن قلبِ محبٍّ، تحمله حمامةُ الشوق إلى حبيبته، وتدفعُه رسومُ الحبِّ وأعرافُه إليها، فلا يُتهم في نفسِه بالجفاء، ولا ينال منه الضميرُ بقالةِ القسوة، وكلاهما بغيض في عُرْف الحبِّ والمحبِّين، فإن كنتُ غيرَ مرتاب فيه في دولةِ العشاق والمغرمين، فإني أعتقد بأن اللهَ يرحم عبادَه الذين يحبون ويعشقون، ويتولّهون، ولا يأخذهم في أفعالٍ لا يملكونها ولا يختارونها اختيارًا، إذ هي نابعةٌ بأمر القلب وسلطانه!
___________________
حُرّر بتاريخ 1444/5/9هـ
3 ديسمبر 2022م
أضف تعليق