تباريح

انسلخ من نفسه وتنكّب كل ما عشّشَ في ذهنه من تقاليدَ مقتبسة من المجتمع، وعاداتٍ غبَرَ الناسُ عليها وعاشوا في سلطانها، وآراءٍ صادرة عن رُبّان العلم وسدَنةِ المعرفة، فلبس سربالًا غير الذي ألِف، وانتحل مذهبَ الشكّ في كل ما يعرض له، حقيره وجليله، فازدلف إلى حيرةٍ مدلهمة، يحاذر فيها خطوه ويلتمسُ المنهاجَ على ضوءٍ خافتٍ من يقين منطوٍ في صدره بأعماقِه الغائرة، وزادٍ من معرفة كدهن السراج في تلافيف العقل.

عمدَ إلى مكتبة، فابتاع أسفارًا ظنّها مفتاحَ علاءِ الدين، فانكبّ عليها مطالعةَ كمن يهوي على صخور بالمِعْول، على أنه لا ينقّبُ عن كنوزٍ تدِرُّ عليه درهمًا ودينارًا، وإنما يفتشُ عن سبيلٍ تقوده إلى برّ الأمان، راحةِ النفس وطمأنينةِ الروح وهدوءِ القلب، من ما اعتراها في غرارة الصبا، ومنذ ذلك الوقت لم يعدْ كالذي كان، قد يكون هذا في قرارة أغواره، دون أن يُحسّ به أحدٌ في ذلك الأوان، ولكنّ الأيامَ حبلى وسوف تنجلي عن أنباء تسرُّ الفتى وتسخِط من حوله.

كان فتى غريرًا، يلعبُ ويلهو كأترابه وخِلّانه، يروحُ ويجيء، وما إنْ أيفعَ واشتدّ عودُه واستقامتْ قناتُه، أدركَه شعورٌ من اليأس، وهجمتْ على فؤاده الغضّ سهامٌ نافذة فتكتْ به، فراح يتساءل: “ما جدوى الحياة؟” و “ماذا تفعل يا فتى؟”، في حين كان غارقًا في لجة من العبث، هائمًا في فضاء التيه والحيرة المهلكة، وسادرًا في ضلالات العمى والغفلة. يأتي أفعالًا ينكرُها عليه ضميرُه ويردُ موارد يأباه عليه دينُه وخلقُه، فانتفضَ في لحظة شعورية ضارية تنهش ذاته، فاستبدّت به فكرتان.

عمدَ إلى مكتبة، فابتاع أسفارًا ظنّها مفتاحَ علاءِ الدين، فانكبّ عليها مطالعةَ كمن يهوي على صخور بالمِعْول، على أنه لا ينقّبُ عن كنوزٍ تدِرُّ عليه درهمًا ودينارًا، وإنما يفتشُ عن سبيلٍ تقوده إلى برّ الأمان، راحةِ النفس وطمأنينةِ الروح وهدوءِ القلب، من ما اعتراها في غرارة الصبا، ومنذ ذلك الوقت لم يعدْ كالذي كان، قد يكون هذا في قرارة أغواره، دون أن يُحسّ به أحدٌ في ذلك الأوان، ولكنّ الأيامَ حبلى وسوف تنجلي عن أنباء تسرُّ الفتى وتسخِط من حوله.

بدأت الدنيا في عينيه تتباين، وهذه القراءات أضحتْ تخلقُ في نفسه وحدةً قاتمة، نمتْ مع فرط الزمان، فالمسافات بين الأشياء اتسعت، والعلاقات الاجتماعية قد انحسرت، فبات لا يألف إلا قارئ الكتب، ولا يتجانس إلا مع المعنيّ بالثقافة، سوى نفرٍ من الخلّان بينه وبينهم مودةٌ خالصة وصحبةٌ ممتدة، لا يملك أن يصرفهم عنه ولا أن ينصرف عنهم.

وأشدُّ فتكًا من هذه الوحدة، أنْ اُعتقلَ لسانُه وانقبضَ عن الكلام، فلا يُطيق حديثًا في شأن ولا يحيرُ جوابا عن سؤال، فقد وقرَ في مضمر وجدانه بأن الأمور جميعَها توضعُ في مواضِعها، كأن وصية عبدالله بن الحسن بن الحسن لابنه إبراهيم أو محمد متوارية في عقله: “واستعن على الكلام بطول الفكر في المواطن التي تدعوك نفسُك فيها إلى القول”، وهو ما يطيلُ عذابَ الصمت ويدعو إلى العزلةِ والانطواء، وطولُ السكوت يورثُ العِيّ، وقد وصفه أبو عثمان الجاحظ في عبارة وجيزة: “وإذا تركَ الإنسانُ القولَ ماتت خواطرُه، وتبلّدت نفسُه، وفسَد حِسُّه”.

ولعلّ من الأوهام التي علقتْ به آنذاك، ظنُّه بأن المطالعة وحدها سوف تنتشِله من مشكلاته برُمّتِها وتجتازُ به العقباتِ بقضّها وقضيضِها، ولكنْ على قدر ما في المعرفة من مفاهيم تستحوذُ على عقولنا وما فيها من أفكار تنفذ إلى أفئدتنا، تنبثق عنها سؤالاتٌ لم تخطرْ لنا على بال، وينقدحُ زنادُ الخاطر بسيلٍ وابلٍ لا رادّ له إلا البحث والتنقيب مجددًا، فحين التجأنا إلى القراءة لتخفف عنا ما بنا، إذ بها تُثقِل علينا بكل جديدٍ على الفكر والخيال!

كرّ عائدًا بذاكرته إلى أيامٍ خالية، مرّت كلمحِ البصر وخطفِ البرق، حُبس فيها وراء قضبانٍ من الأسفار والدفاتر، يلتهمُ صحائفَها بنهم، ويقيد فوائدَها بحرص، ويكتب خلاصاتٍ بلا كلال، شيّد برجًا عاجيًا بين عالمه وبين واقع الحياة.

كان تطوافا في عالمٍ من المعرفة رحبِ الأرجاء، مكتنفٍ بالأسرار والعجائب والمخاطر. المخاطر؟ نعم، فمن المحتّم بأن المعرفةَ لا تدعُ لنا الخيارَ للبقاء على حالنا التي كنا عليها قبلها، إلا أن نكون قراءً مغفلين لا ندركُ مغازيَ ما نقرأ أو جامدين على ما تنشّأنا عليه، فلا نريمُ عن معتقداتنا وأفكارنا مهما اكتسبنا من مقروءاتنا!

وأمارة هذا التغير الطارئ على الذات الصدامُ الأرعن الذي ننجر إليه مع المخالفين من مختلف الناس وشتى الطبقات، لا سيما إذا كانت مخايلُ الفتوة باديةً على الوجوه وفورةُ الشبابِ تسري في العروق، والحماسُ يطغى على كل عاطفة، والتفاخرُ بالمحدَث كامنٌ بالنفس.

على أن هذا التطواف كان كتحليق النحلة على البساتين الملأى بالورد والأزهار، أنّى قصدتْ صادفتْ ما يملأ عينَيْها ويلذّ فاها، تطلقُ يديها وتنتقي منها ما تشاءُ وتختار، لا يكبّلُها عن رغبتها شيءٌ، ومن طريف ما قالوا فيها:

النحلُ لما رعتْ من كلّ فاكهــــةٍأبدتْ لنا الجوهـرين: الشمعَ والعســـــلا
الشـمع بالليل نورٌ يُستضــــاءُ بهوالشــــهدُ يُبـرـي بــإذن البـــاري العِـــلَلا

فمن تطوير الذات إلى دنيا الروايات، تلتها وثبةٌ على عالم الثقافة الشاسعة حتى ألقى عصا التسيار بمملكة الأدب واللغة الفسيحة التي تطالع بالجمال كله والخير كله، فيها التقى بشاعر العرب الأكبر امرئ القيس وهو مزمعٌ على الرحيل إلى القيصر، وأبي عمرو بن العلاء وهو يروي ديوان العرب، والخليل بن أحمد معتكفا في صومعته يقطّع أوزان الشعر وعازما على وضع المعجم العربي، أبصر الجاحظَ مجادلًا منافحًا عن مقالاته، وعاين السجال الأدبي بين الرافعي والعقاد، وزار طه حسين في قريته، ورأى محمود شاكر في معركة يجندلُ فيها خصومَه من التغريبيين والمستشرقين.

والأدبُ مترامي الأطرافِ متباعد الأكناف، وإن المرءَ لينقضي عمرُه ولم يستوفِ أربَه منه، ولكن بدائعَ القرائح وعبقريةَ العقول غيرُ منحصرة في هذا الأدب الذي لا نعرفُ أهو علم أو فن أم كلاهما! وما أسنى ما عبّرَ به عنه ابنُ المقفع: “وللعقول سجياتٌ وغرائزُ بها تقبَلُ الأدبَ، وبالأدبِ تنْمى العقول وتزكو، وجُلُّ الأدب بالمنطق وجُلُّ المنطق بالتعلم”.

لم يقتنع يوما بأنه حصّل علمًا أو سار في طريق العلماء بحق، بيد أن شعورًا بالرضا يخامره جراء ما نال بالمطالعةِ المتواضعة ومجالسةِ بعضِ العلماء، من مبادئ في النظر وقناعات علمية تكونت عبر التأمل والتفكر، وهو ما يتراءى لكل قارئ على فكره وسلوكه شاء أم أبى، وما المعرفة سوى هذا؟ وهو يتذكر قالة الشيخ محمد أبو موسى التي يقول فيها: “التخلف غفلةُ العقل، والتقدمُ يقظةُ العقل، والإبداعُ يقظةُ العقل، والكشفُ العلمي يقظةُ العقل”.

أضف تعليق

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑