الإرث العربي

للعربية ماضٍ مجيد، فلها إرث مُغرِق في القدم، مُوغِل في الحضارة الإنسانية، ترِكة عظيمة من الشعر والنثر، من لدُنِ المُهَلهِلِ بن ربيعة وقسِّ بن ساعدة. وهي مذ عُرفت دائبةٌ في مدارج الترقّي على ألسنة أبنائها حتى احتلتْ مكانةً سامقةً بين اللغات في القديم والحديث؛ فبيانُها ليس إلا الذروة في البيان، وبلاغتُها أرفعُ بلاغة لسان.

وكيف لا تتربّع على عرش البيان، وتُمسك بزِمام الكَلِم، ولأربابها عنايةٌ فائقةٌ بها حتى ضربوا قبّةً في سوق عكاظ؛ ليحكمَ فيها نابغةُ العرب على شعر الشعراء؟!

فلم يكن الشعر إلا معراجًا للغة، رقت به إلى سماء الفصاحة، وفيه ختمت على عبقريتها وأسفرت عن جمالها وجلالها، لذلك من ما لا ريب فيه بأن الشعر ديوانَ العرب هو الكاشف عن عظمة العربية.

ثم نزل الوحي الإلهي على محمد بن عبد الله، خاتم النبيين وإمام المتقين ومبلِّغ الرسالة السماوية للعالمين. الرسالة المُسطَّرة في الصُّحُف، المحفوظة في صدور أهل الله وخاصَّته، فكان النبأَ العظيم الذي حلّق بالعربية إلى ذِرْوة القول وفصل الخِطَاب، فقال عزَّ وجل: {وإنه لتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين، على قلبك لتكون من المنذرين، بلسان عربيّ مبين}. وقال عز وجل: {خلق الإنسان، علمه البيان}.

قال الإمامُ ابنُ فارس: “فوصفَه جلَّ ثناؤُهُ بأبلَغِ ما يُوصَفُ به الكلام، وهو البيان، فقدّمَ ذكرَ البيانِ على جميعِ ما توحَّد بخلقِه وتفرّدَ بإنشائه، من شمسٍ وقمرٍ ونجمٍ وشجر، وغيرِ ذلك من الخلائقِ المُحكَمَةِ والنَّشايا المُتقَنَة، فلما خصّ جلّ ثناؤُهُ اللسانَ العربيَّ بالبيان ـ عُلم أن سائرَ اللغاتِ قاصرةٌ عنه وواقعةٌ دونه”.

وما إنْ سار كلامُ الله العزيز في الناس، وذاعَ في الآفاق، واستوطنَ النفوسَ والأرواح، استهلّتْ حقبةٌ جديدةٌ في الذبِّ عن العربية، والحفاظِ على جنابها من أن يمسَّها تحريفٌ أو تشوبُها شائبةٌ من لحن القول، فانبرى لها أذكياءُ البشر، فوضع نحْوَها أبو الأسود الدُّؤَلي ثم دوَّنه سيبويه تلميذ عبقريِّ اللغة الخليلِ بن أحمد، ولمْ تكنِ العربيةُ حكرًا على العرب دون العجم، إذ إنها لغةُ الكتاب الحكيم!

وبعبارةِ الدكتور رمضان بن عبد التواب: “نشأتِ الدراساتُ العربيةُ بفروعها المختلفة، متعلقةً بالقرآنِ الكريم، كتابِ الله العزيز، فكأنّ القرآن هو المحور الذي دارتْ حوله تلك الدراسات المختلفة، سواء منها تلك الدراسات التي تتعلق تعلقًا مباشرًا بتفسير القرآن، وتوضيح آياته، وتبيين معناه، واستنباط أحكام الشريعة منه، أو تلك التي تخدم هذه الأغراضَ جميعَها، بالبحث في دلالة اللفظ، واشتقاق الصِّيَغ، وتركيب الجُمَل، والأسلوب والصور الكلامية، واختلافها باختلاف المقام، حتى تلك الدراسات التي تتعلق بالرسم الإملائي، والفلك والرياضة، واستكناهِ أسرار الطبيعة. كلُّ هذه الدراسات قامتْ أساسًا لخدمة الدين الإسلاميّ، ولغرضِ فهم القرآن الكريم، مصدر التشريع الإسلاميّ، ودستور المسلمين”.

على أنَّ للعربية حاضرًا بئيسًا، هبّتْ على إِثر الغفلة عنها في القرن المنصرم عاصفةٌ لإحياء الأدبِ العربيّ، روّادها الباروديّ في الشعر، والمَنفَلُوطي في النثر، وتعالتْ صيحاتُ التثريب والاستنكارِ على حالِ العرب، فقد كبُرَ على الغيارَى من أهل هذه اللغة أن ترسُفَ في أغلال الجمود أو تتلاشى تحت وطأة لغات المستعمرين والثقافات الغالبة، فاللغةُ كما يرى بعضُهم “لا تموتُ بذاتِها كما يموتُ الكائنُ الحيّ، وإنما تموتُ بأسباب، من أهمِّها إهمالُ أهلِها لها، أو إذعانُهم للغريبِ الأجنبيّ”.

وبعدُ، كيف لا يكون حقيقًا بالعرب والمسلمين أن يكون حديثُهم وكتابتُهم وقراءتُهم بالعربية في وسائل العصر المختلفة في حين أثبتتْ قوّتها ونصاعتها عبر التاريخ، وهي إلى ذلك لغةُ القرآن الكريم!

كيف لا يكون قمينًا بالعرب والمسلمين أن تكون علومُهم ومعارفُهم وفنونُهم بالعربية، وقد أرتْنا جدارتَها في كلِّ العلوم، في الطبِّ والهندسة والرياضيات والفلك والجغرافيا والكيمياء وسائرِ ما خاض فيه أهلُ العلمِ والفكر!

ألم يكن منا الطبيبُ الرئيس ابن سينا، وابنُ النفيس والزهراويّ، وابنُ الهيثم والمَجْرِيطي والبَيْرُوني، والخوارزميّ والرازيّ والإدريسيّ، وغيرُهم مِن مَن لا يحصرُهمُ العدّ؟

ما لنا نتحدث عن البعيد النازح وندع القريب الداني؟!

فإنّ أعظم تجسيدٍ لنهوض العربية بأعباء العلم والمعرفة والفن، ما مثَّـلَه مجمع دمشقَ للغة العربية، في خِضَمِّ الاحتلال الذي ترزَح في قيودِه بلاد العُرْبِ والإسلام، فعرّبوا المصطلحاتِ العلمية، الطبيةِ والفيزيائيةِ والكيمائية، وكوّنوا منها نواةً لمعاجمَ عربية غير معهودة.

ويقول أحد أبناءِ هذا المجمع المخلصين لهذا التراث العريق، الطبيب المعجميّ، صاحب المعجم الطبيّ الموحَّد، الدكتور محمد الهيثم الخياط: “وسنظلُّ نرى حيلولةً بين اللسانِ العربيِّ وبين تعليمِ العلومِ في الجامعات، وفجوةً بين التعليمِ ولغةِ التعليم، ونُبصِرُ أناسًا من بني جلدتِنا، يلبسونَ لباسَنا ويهزؤونَ بنا حين ندعو إلى التعليمِ بالعربية. هذه حربٌ دائرةٌ لن تقف!”.

أن نُعنى بالعربية ونقبلَ عليها، يعني: أن نحترمَ ماضيَ الأجداد وتراثَ الأمّة، أن نعتزَّ بهُويَّتِنا العربية الإسلامية، وأن ننافسَ سائرَ الأممِ والنِّحَلِ ونضيفَ إلى ما لديها، إذ لا إمعيةَ ولا تبَعية.

أضف تعليق

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑