تهذيب سيرة ابن هشام

سيرة أبي محمدٍ عبدِالملك بن هشام الحِمْيَري (٢١٨) هـ هي أشهر السير التي كُتبت على مر العصور، ولذيوعها أتى عليها العلماءُ بالشرح تارة وبالتلخيص تارة أخرى، وقد لاقت تمحيصًا ونقدًا، ونظَمَها بعضهم حتى يسلس حفظها. فإن كان كتابُ سيبويه معينَ النحاة، ودلائلُ الجرجاني موردَ البلاغيين، ورسالةُ الشافعي أصلَ الفقهاء، فسيرةُ ابن هشام منهل المؤرخين.

وكان كتابه ثمرةً جناها من جهدِ أسلافه، وشجرةً في دوحةِ الأئمةِ الذين عُنوا بالسيرةِ النبويةِ في مجالس العلم والذكر.
ولئن كان مصنَّفُ ابنِ هشام أولَ ما وصل إلينا من سيرةِ أزكى الأنامِ صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، فإنه موصولُ العُرَى بما ألفه محمدُ ابنُ إسحاق (١٥٠) هـ قبله بنحو نصف قرن، إذ هو ناقلٌ عنه، ولكنه يحرر أقواله، ويضيف إليها، ويعارض بعضها وينقدها أحيانًا، ويشرح غامضها، ويحذف أشعارًا لا يرضاها الذوق أو لا تثبت لقائليها.

وتهذيب السيرة لعبدالسلام هارون ذو أهميةٍ بالغة، فقد حرص فيه أن يُخرِج للقراءِ سيرةَ ابن هشامٍ خاليةً من الاستطرادات، وبعيدةً عن الإطالة، بحذف ما يُستغنى عنه من أسانيدِ الرواة، وأنسابِ القبائل، والأسماءِ الكثيرةِ المذكورة في غزواتِ سيدِنا محمدٍ، صلى الله عليه وسلم، من شهِدها ومن قُتل فيها، وما قيل فيها من أشعارٍ مطولة، وشرحِ غوامضِ الكلمات، وتفسير الآيات القرآنية التي أوعب بها ابنُ هشام كتابه، فكان التهذيب في ٢٨٠ صفحة، لا ينوءُ على القارئ العجِل، ولا يثرِّب عليه المطلعُ على سيرةِ ابنِ هشام نفسِها.

ولقارئ التهذيب فسحةٌ ممتدة لا يزيغ فيها نظرُه عن القصصِ الواردةِ واحدة إثر الأخرى، كأن كلَّ قصةٍ فصلٌ في روايةٍ.
هذا وإن سيرةَ ابن هشامٍ تعلِّم بيانَ اللسان، وتُجري الفصاحةَ على الأقلام، وإن أسلوبَ كاتبه لا تكلفَ فيه ولا صناعة، فهو جارٍ على سمتِ كلامِ الأوائل، في سهولةِ الألفاظ، وسلاسة التراكيب، وبراعةِ الحوارِ والتصوير.

أضف تعليق

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑