لم أر البلادَ التي عاش فيها الشاعر، ولكني أبصرتها خلال مذكراته، رأيتُ تونس الخضراء، حقولها اليانعة ورياضها الفسيحة، سهولها المنبسطة وطبيعتها الساحرة، ثم طالعتُ أثرها في نفس الشابّي عبر بيانه الأخاذ وأسلوبه الذي شابه ما يوصف من رسوم ومناظر، فرأيته يفيض بجمال يخرس الأفواه، ويأخذ بالألباب فلا تنقاد في تصويره الأقلام.

كان أبو القاسم يحملُ في طيّاته قلبًا رقيقًا، يحنو على الوردة الباسمة والغصن الرطيب، ينصتُ لشدو الطير وألحان العصافير، ويستخفّه النسيم العليل، وكان حالمًا يرى الوجود جميلًا في فضائه وأرضه، في آثاره وظلاله، ساميًا على علله وأسقامه التي قذفت به إلى المنية، فانتشلته عن الناس والدنيا في سنّ لا يتسنى فيها للمرء أن ينبغ إلا موهوبًا خصّه الخالق بخصال وملكات، لم يؤتها أحدًا من لداته وأترابه، فارتقى بها عليهم ليكون له قصبُ السبق في الميادين.
ولكنه نعِم بحياة عريضة، ما بين دراسة جامعية وميول أدبية وثقافية، وما بين انغماس في العمل القانوني وشغف بالفنون، ولو كان مِن مَن يركن إلى الدعة والسكون وخفض العيش، لطال أجله دون أن يذكره التاريخ وتخلده الأرض، بيد أنه عانى آلامًا وقاسى أوجاع شعبه، وقصيدة (النبي) تنبئ عن كثير من آمال سما إليها ليزدهر بها وطنه، وعن تطلعات إلى حرية تشرقُ في سمائه فتخفق بها راية السلام، وهي تبثُّ زفراته وآهاته اليائسة، ولا ريب بأنها من أجلّ أشعاره، ديباجة ومعنى.
والشابّي ينتحل في قصائده مذهبَ المهجر، ويقتفي أثرَ شعرائه. أما منزلته في الشعر، فلعلي أنقل ما جاء في (سؤالات ابن أبي حاتم العوني عن فحولة الشعراء المحدثين): “طرفة العصر في سرعة غيابه، لا في فحولته، ولو عاش لكان فحلًا”.
أضف تعليق