أدنو من الأطفالِ وأرخي إليهم السمعَ وأتلقى منهم الكلام، أمتحن بذلك نظرياتِ العلماءِ في نشأةِ اللغة التي استولت على أذهانِهم وحيّرت ألبابَهم وفرّقت شملَهم، فلم يجمعْ تشتُّتَهم مذهب، ولم ينحسم خلافُهم إلى وفاق، وهي مسألةٌ لا تختلف عن أخواتِها من الأولياتِ مثل قولِ الشعر “لعلنا نبكي الديارَ كما بكى ابنُ حذام”، إذ تكثرُ فيها الأقوالُ وتلجُّ الخصوماتُ وتتباعدُ الآراءُ وتتأبّى المشاكلة.
وإنّ الأطفالَ في طورِهم الأولِ ونشأتِهم الباكرةِ مدرسةٌ لمن يعقلُ عنهم ويتلقفُ منهم ويرنو إليهم مستفهمًا ومتعلمًا ليرى ما يُذهل العقلَ ويُذيب الحشى. والمبدأ الذي يوافقُ المنطقَ ويقبلُه الواقعُ أنَّ الطفلَ لا ينشأ نشأةَ الإنسانِ الأول، فهو بين والديه يرتعُ ويلعب، يسمعُ ويرى، يخالطُ ذويه وينفذُ إليه أثرُ الجمع، يتحدثُ فيصيبُ اللفظَ ويخطئُ الدلالةَ تارة، ويفقه المعنى ويضلُّ الكلمةَ تارة أخرى، وقد يصطادُهما في أحيانٍ على غِرّة، على أنه متى ما زلَّ ثابَ إلى الصوابِ بالإرشاد، وقوّم الاعوجاجَ بالمحاكاةِ والتقليد – ويبعد مسلكُ الإنسانِ القديم مع اللغةِ عن الطفلِ الحديث، وهو كلام طويل الذيل -، ولكنَّ العجبَ أنْ ينطقَ بألفاظٍ من صحيحِ اللغة تستبعد سماعَه بها، فتسائلُ من أين تسلّلتْ إلى خاطره؟ وكيف يُصدرُها سليمةً من العيبِ لا يشوبُها زلل؟
وكأنك في دورانِ الفكرِ ذلك تتقلبُ بين توقيفيةٍ تناصرُها طائفةٌ من اللغويين وبين اصطلاحيةٍ تنافحُ عنها جماعةٌ أخرى!
أسئلةٌ على هذا النسج تموجُ في رُوعي وأنا أتأملُ ابنتي همس – والخالُ أبٌ ثانٍ – وأُسقى منها كلماتٍ عذبةٍ تطربُ لها الآذانُ وتستعذبُها القلوب،كأنْ تناديَ (دَدُّو) تعني بها (ستُّو)، ولفظةُ (هدا) – بلهجة أهل مكة – اسمُ الإشارة (هذا) ما تزالُ على لسانِها مذ نطقتْ مشيرةً إلى مرادِها بيدِها، وأمُّها موقنةٌ أنهم لم يُسمعوها إياها، ولكنْ أنطقها اللهُ الذي أنطقَ كلَّ شيء! وإذا تأملتَ مثلَه عند نظائرِها من الصغارِ أدركتَ أكثر من ذلك من ما يُدهش ويُعجب! وسبحان من خلقَ الإنسانَ وعلَّمه البيان!
أضف تعليق